أحمد بن علي القلقشندي
51
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
في مصالح ملك الاسلام محكَّما ؛ وتقليدا مؤبّدا ، وتقريرا على كرّ الجديدين مجدّدا ؛ وأثبت ذلك وهو الحاكم حقيقة بما علمه من استحقاقه والحاكم بعلمه ، وأشهد اللَّه وملائكته على نفوذ حكمه بذلك : * ( والله يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِه ) * ( 1 ) . وذلك لما صحّ عنده من نهوض ملكه بأعباء ما حمّله اللَّه من الخلافة ، وأدائه الأمانة عنه فيما كتب اللَّه عليه من الرحمة اللَّازمة والرأفة ؛ واستقلاله بأمور الجهاد الذي أقام اللَّه به الدين ، واختصاصه وجنوده بعموم ما أمر اللَّه به الأمة في قوله تعالى : * ( قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ) * ( 2 ) . وأنّه في الجهاد سهمه المصيب وله به أجر الرامي المسدّد ، وسيفه الذي جرّده على أعداء الدين وله من فتكاته حظَّ المرهف المجرّد ؛ وظلّ اللَّه في الأرض الذي مدّه بيمن يمينه ، وآية نصره الذي اختاره اللَّه لمصالح دنياه وصلاح دينه ؛ الناهض بفرض الجهاد وهو في مستقرّ خلافته وادع ، والراكض عنه بخيله وخياله إلى العدوّ الذي ليس لفتكات سيوفه رادع ( 3 ) ؛ والمؤدّي عنه فرض النّفير في سبيل اللَّه كلَّما تعيّن ، والمنتقم له من أهل الشّقاق الذين يجادلون في الحقّ بعد ما تبيّن ، والقائم بأمر الفتوح التي تردّ بيع الكفر مساجد يذكر فيها اسم اللَّه واسمه ، ويرفع على منابرها شعاره الشريف ورسمه ؛ وتمثّل له بإقامة دعوته صورة الفتح كأنه ينظر إليها ؛ والناظر عنه في عموم مصالح الإسلام وخصوصها تعظيما لقدره ، وترفيها لسرّه ؛ وتفخيما لشرفه ، وتكريما لجلالة بيته النبويّ وسلفه ؛ وقياما له بما عهد إليه ، ووفاء من أمور الدّين والدنيا بما وضع مقاليده في يديه . وليدلّ على عظم سيرته بكرم سيره ، وينبّه على كمال سعادته إذ قد كفي به في أمور خلق اللَّه تعالى والسعيد من كفي بغيره ، لم يجعل أمير المؤمنين على يده يدا في ذلك ، ولا فسّح لأحد غيره في أقطار الأرض أن يدعى بملك ولا مالك ، بل بسط
--> ( 1 ) الرعد / 41 . ( 2 ) التوبة / 14 . ( 3 ) العبارة في مآثر الإنافة : « إلى العدو الذي ليس له غير فتكات سيوفه رادع » .